فخر الدين الرازي
330
المطالب العالية من العلم الإلهي
يكشف حقيقة الأزلية من بعض الوجوه . المثال الثاني : إن لرقوم حساب الهند ترتيبا عجيبا ، فإن الواحد في المرتبة الأولى واحد ، وفي الثانية عشرة ، وفي الثالثة مائة ، وفي الرابعة ألف ، وفي الخامسة عشرة آلاف وفي السادسة مائة ألف ، وفي السابعة ألف ألف . وإذا عرفت هذا فنقول : لنفرض أن بحسب كل رأس دائرة « 1 » من مجموع الفلك الأعظم ، حصل عالم مثل هذا العالم الجسماني المشتمل على الأفلاك السبعة « 2 » والعناصر الأربعة ، ثم فرضنا أن هذه العوالم امتدت امتدادا بحيث صارت في الثخن بمقدار قشرة الثوم ، ثم أمليت جميع تلك السطوح من مراتب الأعداد برقوم الهندسة « 3 » ثم أوقعت المقابلة بين مجموع تلك الحسابات وبين حقيقة الأزل ، كان ذلك المجموع في مقابلة حقيقة الأزل ، كالعدم في مقابلة الوجود ، بالبيان الذي لخصناه في المثال الأول . فظهر بهذين المثالين : أن حقيقة الأزل والأبد لا قدرة للعقول البشرية على الوقوف عليها . ثم نقول : إن هذه الحسابات التي ذكرنا أنها مقادير متناهية ، والعقول البشرية لا سبيل لها إلى الوقوف على ذرة « 4 » من ذراتها . إذا كان [ الحال في ] « 5 » المقادير المتناهية كذلك ، فما ظنك بما لا نهاية له ؟ فيثبت : أن العقول عاجزة عن الوصول إلى أوائل هذه المعاني ، فضلا عن الانتهاء إلى أواخرها وغاياتها . وإذا وقفت على حقيقة الأزل والأبد من الاعتبارات المذكورة ، فنقول : هاهنا مباحث لا بد من الوقوف عليها . فالأول : قالوا : تقدّم اللّه تعالى على هذا اليوم ، إما أن يكون بمدة متناهية ، أو بمدة غير متناهية ، فإن كان الأول لزم كون اللّه تعالى حادثا ، وهو محال . وإن كان الثاني لزم أن يقال : إنه قد انقضى قبل هذا اليوم مدة غير
--> ( 1 ) إبرة ( س ) . ( 2 ) التسعة ( س ، ز ) . ( 3 ) الهند ( س ) . ( 4 ) كثرة ( س ) . ( 5 ) من ( ز ) .